|
العملية التشريعية > العملية التشريعية
قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى, عمل رواد النهضة و الثقافة, و قادة الرأي في بلاد الشام على بث روح التحرر و الاستقلال في بلاد العرب. فكان الصراع بين عرب بلاد الشام و السلطات العثمانية التركية على أشده. و لم تكن طموحات الشغب وآماله و توقه للحرية تعني شيئا للمتشددين الإتحادين في تركيا, حيث قابلوا النشاطات الثقافية و السياسية للعرب في بلاد الشام بالقمع و السجن و التشرد.
فتنادى ممثلو الجمعيات السياسية العربية, وزعماء النهضة, و قادة التيارات السياسية و الثقافية في بلاد الشام إلى باريس عام /1913/ و عقدوا مؤتمرا كان هدفه المطالبة بإصلاح أحوال بلاد الشام على أساس الحكم اللا مركزي, و القيام بإصلاحات إدارية و مالية و سياسية, و تطوير البلاد في مختلف المجالات, و الاعتراف باللغة العربية لغة رسمية في الدولة.
وما أن وضعت الحرب أوزارها, و رحل الاحتلال العثماني عن بلادنا, حتى قامت المؤسسة التشريعية بشق طريقها باسم جماهير الشعب, حيث انعقد المؤتمر السوري الأول عام 1919 فكان أول صيغة تشريعية تمثيلية للشعب عرفتها بلادنا. و في 8 آذار 1920 أعلن المؤتمر السوري استقلال سوريا بحدودها الطبيعية, تعبيرا عن إرادة الشعب و الحركة القومية العربية, ورفض المؤتمر التدخل الأجنبي ووعد بلفور و الانتداب, ووضع دستورا مؤقتا لسوريا سمي القانون الأساسي.
و لكن فرنسا و بريطانيا اقتسمتا بلاد الشام بموجب اتفاقية سايكس- بيكو. فهاجمت الجيوش الفرنسية لبنان و سوريا, ودخلت دمشق بعد معركة ميسلون في 14 تموز 1920, وبالطبع تم إجهاض تلك التجربة التشريعية الأولى و حل المؤتمر السوري.
وبدأ الفصل الدامي للصراع بين الشعب العربي السوري و سلطات الانتداب, فاندلعت الثورات الشعبية في كل أنحاء سوريا. و تحت ضربات قوات الثورة و عنف المقاومة سنة 1925, اضطرت السلطة الفرنسية المحتلة للاستجابة لمطالب الشعب بإجراء انتخابات عامة في نيسان 1928 و إنشاء المجلس التأسيسي الذي انعقد في حزيران 1928, وقام بوضع دستور للبلاد, لكن المندوب السامي اعترض على مضمون هذا الدستور و عطل المجلس. و في عام 1931 جرت انتخابات لتشكيل مجلس نيابي, ثم ألغيت بسبب تدخل سلطة الانتداب في حرية الانتخاب.
وفي سنة 1932 أجريت انتخابات أخرى و عقد المجلس النيابي, فعرضت عليه فرنسا معاهدة سياسية, رفضها المجلس فعطله المندوب السامي سنة 1933.
وجرت انتخابات سنة 1936 و لكن لم يدم المجلس المنبثق عنها إلا إلى سنة 1939 حيث عطله المندوب السامي بسبب رفض و احتجاج المجلس على سلخ لواء اسكندر ون و تسليمه لتركيا.
وفي سنة 1943 جرت انتخابات تشريعية نتج عنها مجلس نيابي دام حتى 29 أيار 1945, حيث هاجم الفرنسيون مبنى المجلس النيابي السوري بدمشق و قتلوا حاميته بوحشية و قصفوا دمشق و المدن السورية بالمدافع.
و مع استمرار الغليان و الثورة الشعبية ضد سلطات الاحتلال الفرنسي و ازدياد القمع الوحشي, فقد عقد مجلس الأمن جلسة قرر فيها وجوب جلاء القوات الفرنسية عن سوريا, وقد تم فعلا جلاء آخر جندي فرنسي في 17 نيسان 1946.
مما مكن سوريا في نهاية المطاف من تحقيق الاستقلاالنيابي, و أن تمارس حياتها الطبيعية. فكانت الانتخابات العامة سنة 1947 و تشكل المجلس النيابي , و بدأ عهد الحرية و السيادة الوطنية و بناء مؤسسات الشعب.
ولكن انقلاب حسني الزعيم عام 1949 جعل الحياة الديمقراطية في خطر و قلق دائم, وتتابعت الانقلابات العسكرية و استمرت المواجهة بين المجالس المنتخبة, وبين قادة الانقلابات, و نادرا ما أكمل مجلس تشريعي مدته, أو اتيح له تأدية مهماته بأسلوب ديمقراطي سليم.
و بين عامي 1951 – 1954 حكم الإنتقاليون البلاد حكما مباشرا.
ثم أجريت انتخابات, و تشكل مجلس نيابي دام ثلاث سنوات و هو المجلس الذي أقر الوحدة العربية بين مصر وسوريا عام 1958. و في عام 1960 جرت انتخابات لمجلس الأمة في الجمهورية العربية المتحدة, و لم يعمر هذا المجلس طويلا بسبب الانفصال و سقوط دولة الوحدة في أيلول 1961.
و أجرى الانفصاليون في سوريا انتخابات عامة في كانون الثاني 1961.و تشكل المجلس النيابي الذي مارس عمله حتى قيام ثورة 8 آذار المجيدة عام 1963 حيث انتقل التشريع في البلاد إلى المجلس الوطني للثورة عام 1965
ومنذ بداية الحركة التصحيحية المجيدة عام 1970 التي قادها الرئيس المناضل حافظ الأسد رئيس الجمهورية, أصبح مفهوم الديمقراطية في سوريا لا يأخذ بالصيغة التمثيلية القديمة, بل بمفهوم الديمقراطية الشعبية حيث يمارس الشعب الحكم بمختلف فئاته.
لقد كان موقف الشعب السوري من المجلس التشريعي ثابتا و متطابقا مع موقف القائد و القيادة, بضرورة وجود السلطة التشريعية في بلدنا الذي ينشد الحرية و التقدم, لأنها تمثل الشعب و تساهم في تطوير حياته و تحقيق أهدافه.
إن علاقة الشعب العربي السوري بالحرية و الديمقراطية علاقة عضوية لم تضعف يوما, وكانت دائما متينة و صلبة و قوية.سيما أن مجلس الشعب هو من أعلى المؤسسات الدستورية و قمة مؤسسات الديمقراطية الشعبية.
و قد قام مجلس الشعب فعلا بإنجاز الدستور الدائم و أقره عام 1973 إضافة إلى إقراره لقانون الانتخابات في العام نفسه. كما أنجز مجلس الشعب في دوراته التشريعية المتتالية وصولا إلى الدور السابع, العديد من القوانين الهامة, كقانون الإدارة المحلية و غيره من القوانين التي تخدم مصلحة الشعب و الوطن.
ولما كانت المجالس التشريعية في كل أنحاء العالم تمثل حضارة الشعوب, ونحن أمة عريقة لها جذورها في عمق التاريخ و معالم حضاراتها ما زالت شاهدة عليها في أرجاء وطننا العزيز, فقد حرصت على إبراز نضال الشعب العربي السوري منذ بداية هذا القرن, من أجل الديمقراطية ممثلة بالمجلس التشريعي الذي كان يمثل طموحات و آمال الشعب. وكم لاقت المجالس من الأذى و العدوان من المحتلين الأجانب و من حكومات الانقلابات العسكرية التي لم تكن ترغب بأي صيغة تمثيلية للشعب. و كم عانى شعبنا من القهر حتى نعم بالوصول إلى حقوقه و استقراره عندما انتصرت الديمقراطية و المجالس التشريعية في بلده, بعد كفاح طويل استمر حتى عام 1970 و بزوغ فجر التصحيح.
وكان أول مجلس تشريعي منتخب انتخابا مباشرا من الشعب في عام 1973 إنجازا و نصرا كبيرا عن طريق الديمقراطية الشعبية.
|