مجلس الشعب السوري
اسم المستخدم
كلمة المرور
نسيت كلمة المرور
تسجيل جديد
 الرئيسية 

الإشــــباع الغريـــزي .. د. نبيل طعمة

الخميس, 11 كانون الثاني, 2018


متى يتجاوزه إنساننا العربي، ويؤمن أنَّ بقاءه عليه وتمسكه به لن يدعه يتقدم قيد أنملة؟ وجميع الدول التي قامت من الحضيض، اعتبرت أنه من أهم الصيغ التي تعرقل مبادئ البناء الذي لا يقدر عليه سوى الجنس البشري، وهذا ما أردت فرده بين مجتمعاتنا العربية النهمة غريزياً، التي حتى اللحظة لم تشبع من المادي البسيط الذي التهت به، فأعماها عن ضرورات بنائها العلمي المطور الحقيقي لوجودها، فكيف بها وهي المتعلقة به تفكك المعقد من أمورها، ومن دون الوصول إلى مرحلة الإشباع، لا يمكن للعقل اللامرئي الذي يشكل اللامادي في الإنسان الانتقال إلى التفكر وعينه الدقيقة التي تلتقط الأشياء، فتذهب إلى تعريفها، ومن ثم تحويلها إلى منتج يفيد المادي المنتشر، وكلما كان متأملاً وصل إلى الإلهام، أي إن عظمته تكمن في توليد الأفكار، فمنه ظهرت الأبعاد والأقطاب وملاذات اليمين واليسار والشمال والجنوب والبحث عن التكامل والتعلق بالتطور وتبادل المواقع والوصول إليها من خلال الإيمان بمركزها الجامع اللامع.

هل ألفنا قيمة وقوة الفكر مبدع العلم ومخرجاته والفنون والآداب المهذبة للحركة والسكون والأديان والقيم الناظمة للسلوكيات؟ وهل سيمرُّ علينا وقت طويل نبقى فيه منغمسين باللهاث وراء الغرائز التي لا تغني الحياة؟ حيث أسباب وجودنا فيها المال والكرسي والجنس والطعام والشراب، من دون السعي وراء المعرفة والإنتاج والإبداع وتذوق طعم النجاح العلمي والفني والأدبي والبصم في كل منحى من هذه المناحي.

نحن العرب، ونتاج انشغالنا بالأمس والغد، ننسى ما نحن عليه في حاضرنا واقعنا المدهش، في أننا نعمل منذ الطفولة للمستقبل بقلق، وفي الوقت ذاته، نحن أعداؤه، لأنه مجهول لنا، نحيا وكأننا لن نموت، نموت ونحن أحياء، لم نفهم معنى نموت غداً، ومعنى العيش أبداً، أي الخلود بالأثر، لم نتعلم الحب، ولم ندرك لغته الإبداعية، فذهبنا للخوف من كل شيء، وصولاً إلى الخوف من الله، لم نتعلم أن الأغنى ليس بالمال، ولا بالقوة؛ بل بالفكر وبما ينتجه، وليس بما يكونه، واعتقدنا أن بالمال وجمعه، الملتهون به قادرون على صناعة الحب، والحب لا يُباع ولا يُشترى.

حدثتني سيدة استعراضية بالأمس، كانوا يتهمونها ومازالوا بالفسق في النهار، ويركعون بين أعمدة رخامها في الليل، وهي مازالت مؤمنة بما تقدمه معتبرة إياه فناً، وهذا حال إنساننا يصلي وهو مشتهٍ لكل شيء، كيف به يصل إلى الصلة؟

لم نتعلم التأمل واكتشاف الجديد من المتأمل، فحاربنا المتصوفين الحقيقيين، ولذلك لم نصل إلا إلى الاختلاف المستمر والصراع الدائم على الغنائم، والفكر التاريخي العربي يشير إلى أن هذه الأمة منذ حضورها الديني وحتى اللحظة لم تتخلص من هذا الفعل، أي إنها لم تصل إلى منظومات فكرية، تنهي فهمها الغريزي المستور بغطاء ديني أو مادي، ما يسمح لها بالاستمرار بما هي عليه مستندة إلى بدايتها، وإنها أيضاً لم تستطع استيعاب الفكر الحداثوي والجمالي، من أجل مواكبتها لمرحلة العصرنة، ومازالت تحض مجتمعاتها الذكورية بامتياز على ثقافة طاعة الأب والآب، من دون فتح أي باب للنقاش، أو للاجتهاد، وتطور فيها المحرم القادم من المقدس المرن والاجتهاد الشخصي الذي يمثل حارساً قاسياً ضمن الفكر العربي على المسكون القائل بأن الدين والدنيا لا يجتمعان، فالدين مرتبط بالآخرة التي تمنح الخلود والجنان التي تجري من تحتها الأنهار خمر وحوريات حسان وغلمان، وأن عليه أن يضحي بلذائذ الدنيا، وأن يختصر الماديات، ويسمو عليها، وإذا دققنا أن الذين قدموا الدين على أنه الأساس الثابت الذي تبنى عليه الحياة، نجد أنهم انقلبوا رأساً على عقب، وبعد أن كانوا أصحاب التقشف، ورسلاً لرُسُل الله، وقادة الإيمان الداعين إليه وهداة البشر، نجدهم اليوم من أشد المؤمنين بلذائذ الدنيا، والمال والتجارة أساس رئيس لكل عمل من أعمالهم، وغدت المناصب هدفاً مهماً لهم، وأصبحت النفعية الغاية الأولى لكل خطوة من خطواتهم، وهذا ما أورثوه لكامل المجتمع العربي الذي تحول إلى الأهداف الدنيوية السهلة، وسيطرت عليه طبيعته الغريزية، وما اللبوس الديني إلا وسيلة فعالة لبلوغ المآرب والغايات، لذلك نلاحظ بقاء مجتمعاتنا العربية متخلفةً، لم تنجح في إنجاز، ولم تبدع في منحى.

حتى الآن نتخيل اللذة دون فعلها الحقيقي مع الزوجة واعتقادنا بالوصول إليها مع العشيقة، مع الحبيبة الافتراضية، لأننا بدأنا مع القهر الجنسي الذي يسمح بتخيل كل شيء حتى المحارم، وصولاً إلى الشهوة الغريزية، لم نقدر أن نوجد قوانين حديثة للزنى، ولم نعرفه. سواد العالم العربي لم يمتلك فنون الجمال الطبيعي، وجله إن لم يكن جميعه مقلد، وهذه الحالة التي يقتات عليها، تشير إلى تخلفه في مأكله وملبسه ومشربه وعمله، قوانينه تائهة بين الشرعي والوضعي ملتبسة عليه، يحاول أن يجد موقعاً له، اعذروني على التصادم، ولكن أعترف بأنني من هذا الواقع، ما إن نخرج من مصيبة.. أزمة.. حفرة.. حتى ندخل في التالية، ونعزو كل ذلك على الآخر المتآمر الأقوى والأذكى، وهذا لا يعني أننا الأضعف، أو الأقل ذكاءً؛ بل إننا لا نؤمن بقدراتنا، ولا نستثمر في عقول أجيالنا.

الواقع يدعونا كي نعترف بأننا نحن ونتاج المسكون التاريخي المتراكم في عقولنا، يمنعنا من الاعتراف ومن التطور، ويدعونا دائماً للتمسك بالأمجاد التي صُنّعت لنا، والتي لم نستطع أن نكتشفها، بل تعلقنا بها، من دون البحث في أسباب بقائها.

كل ذلك لا يفيد الآن، فالذين صنعوا الأمم وطوروها، هدموا كل ذلك، وذهبوا إلى الأمام، فأنتجوا من الفكر إبداعات، وعلى كامل صنوف الحياة.

الإيمان بالمكون الكلي والإبداع العلمي، يحتاجان الوصول إلى الانتهاء من الحالات الغريزية، فالأول لا يمكن له أن يصل الصلة إلا بإشباع الرغبات؛ جنس، مال، غذاء، والثاني يتوافق تماماً معه، لأنَّ جميع النقص يوجب التفكير فيه، ومن ثمَّ يؤدي إلى الانشغال في المنقوص منه، حتى وإن كان يشتغل، فعمله يكون رديئاً، لأنه وظيفي بامتياز، أي إنه كالآلة، تحتاج إلى من يغذّيها، وحينما يحدث الإشباع نجد أن البحث العلمي يؤدي إلى الإيمان، والإيمان بالشيء يؤدي إلى تعريفه بعد الوصول إلى جوهره.

هل سَنهود إلى العلم والمعرفة؟ هل سنترفع عن الشهوات ونعتبرها حاجات، ونؤمن بأن العلم حق، ونتخلص من الأساطير والخرافة واختراقات العقل العربي بالصعود والنزول والمُخَلّصِين؟ هل نؤمن بأن الحقّ حقّ، تؤديه عقولنا وقلوبنا للحياة؟ وأنَّ الباطل نحن من نرتكبه بحكم غريزتنا الغابية وثقافة القطيع التي إن بقينا عليها تستمر الذئاب في غزونا؟

أيها العرب: أشهروا أفكاركم وأقلامكم، اتجهوا إلى الحبّ مرة واحدة، أعلنوا الحرب على كل التخلف وظلمكم لأنفسكم، أعلنوها جهاراً ونهاراً، وبهذا فقط تصلون إلى نقطة التعادل مع الخطيئة التي أراد الآخر المتطور وقوعنا فيها، ألستم تؤمنون بذلك؟

هنا أقف باحترام، ومن دون أنْ أنبسَ ببنت شفة، أقدم الاعتراف حينها، بأننا أمةٌ تتجه إلى الحياة، وأنَّ المؤمنين بها يرفعون لها القبّعات، ويحنون رؤوسهم لما ظهر من أبنائها إيجاباً، وقدرتهم على القيام من الحضيض بعد لفظهم لشهواتهم، ووصولهم إلى تجاوز الإشباع الغريزي.

د. نبيل طعمة



عدد المشاهدات: 460

طباعة  طباعة من دون صور


  كاريكاتير

رزنامة نشاطات المجلس





للأعلى