مجلس الشعب السوري
اسم المستخدم
كلمة المرور
نسيت كلمة المرور
تسجيل جديد
 الرئيسية 

حدث لا إنساني... د. نبيل طعمة

الاثنين, 30 آذار, 2020


يعتبر الأضخم حتى اللحظة التي أخطُّ فيها كلماتي، وإلى أن تصلكم أدعوكم لحشد الطاقات الفردية والجماعية لوضع حدّ له، من خلال فهم تحركاته والالتزام التام بمعايير مقاومته.
 إنه يوقف العالم على شفير الهاوية، فهل نتحد لمحاربته ومكافحته؟ هل نقدر على فعل ذلك؟ وأن نكون يداً واحدة وفكراً واحداً يضمن بقاءنا، مستقبلنا، مكانتنا، كمخلوقات قادرة على الحياة وإدارتها والاستمرار فيها؟
إنه يواجه الجميع كمنتصر أوحد، بعد أن حار العلماء، وأقلق الساسة، وأرعب الاقتصاديين والأغنياء، وأربك المتدينين. أخاف البسطاء وشكل الهلع لدى المجتمعات، خلق التسامح وأوجد الاعتذارات، وأجبر الناس على التأسف لما عملوه بحق بعضهم، ها هو يعيد الحميمية إلى الأسر، وينسج الروابط الأسروية، ويقوي اللحم الاجتماعية.
 هذا الحدث اللا إنساني أوقظنا مما كنا عليه من شقاق ونفاق وحسد ومكائد، حوّل الأمنيات إلى واقع، وإلى كل ما كنا نتمنى أن ندركه من تفهم واحترام ومحبة وإحساس بالمسؤوليات وتقدير للمهام وتقديم المساعدة لمن يحتاجها، ها هو يلغي عنصرية المتدينين، ويوحد فهم المؤمنين، صحيح أنه أوقف حيوية المجتمعات، ونجح في تعميم الحزن ملغياً مراسم العزاء، بعد أن منع مراسم الأفراح، وأجبر الحكومات والدول على التوقف عن بث سموم الحروب والإرهاب، حقاً إنه وضع شروطاً تعجيزية على الساسة المسؤولين عن حياة البشرية المادية، كما صعّب المهمة على رجالات الأديان، وحشرهم في أصعب خانة، وكشف بعضهم إلى درجة العري، وطالبهم بأن الإنسان أينما وجد فهو إنسان، فالدعاء يجب أن يكون لكل إنسان، كيفما كان معتقده، وأن الإله للجميع، وطالما أن الشرائع جميعها من عنده، فكيف بالمسلم يدعو لإنقاذ المسلمين، والمسيحي لنجاة المسيحيين، واليهودي والبوذي والهندوسي...؟ أليس الكل جنس إنسان؟ ألسنا جميعاً أبناء الله وعياله؟ أجل إنه حدث رغم كل مساوئه وخطورته أن وحّد المؤمنين على قلتهم، وأعاد الناكرين إلى صواب وجودهم، وكشف جميع المديرين ساسة وأئمة وكهنة، فضح المتآمرين والمتمردين والجشعين، أجبر جميع السلطات على وقف الصلوات الجماعية، وطالب البشرية بأن يكون الدعاء فقط لإنقاذهم منه؛ أي البشرية بعيداً عن السياسة والأديان والمال.
الحاضر والغد وضع الناس على سطح واحد، وفي صف واحد، حجر عليهم لأن المصيبة وللمرة الأولى واحدة، لم تفرق بين إنسان وإنسان، ولم تنشأ من منبع ديني أو عرقي أو ثقافي، بل منشأ علمي وبيولوجي واستهتار بالمكتشف وبحركته ونشاطه، لقد بثّ الرعب في الجميع، أصاب الجميع دون استثناء، تجاوز كل أنواع الضغائن كما قلت، وحقق الخوف والرعب والهلع، مشكلاً الدعوة إلى واقع جديد وعلاقات جديدة ودين جديد، يحول الحدث اللا إنساني إلى إنساني، يعيد للأخلاق حضورها، وللإيمان الذي ندر بين الناس حقيقته ووجوده، لأنه الوحيد القادر على رسم منهج للحياة، نعم فعلها هذا الفيروس المسمى "كورونا" وأجبر البشرية على تعقيم وجودها ومظهرها الملتبس أولاً، والمجمّل بالماركات والمساحيق والعطور والتزليف أي بالتزييف، وثانياً جوهرها المرتجف خوفاً ورعباً من تراكم الخطايا، مهدداً إياها بقتلها إن لم تستجب لشروطه المتجلية بالعودة إلى أسباب وجودها، التي فقدت الكثير بين الزعم والوهم بين المصنّع والمستفيد والمصاب، يجب الاستجابة لشروط إنهاء هذا الحدث اللا إنساني، لأن ضخامة ما يحدث يضع الانتهازيين في موقع الفيروس، أولئك الذين يقامرون بالإنسان والإنسانية، من أجل الحصول على مكاسب آنية.
 حدث لا إنساني شبحي الشكل في التخيّل، واقعي الحركة، قاتلٌ يهدد البشرية دون استثناء، جين من الجان جعل العلماء والباحثين في حيرة من أمرهم، لأن قوامه الحيوي يحيا في داخل الحياة الحية، ويتربع كتاج على رأس الإنسان المتكون من ملايين الخلايا والجينات، ما يشكل تحديات علمية ومشقات كبرى على العلماء والباحثين في شؤون الأمراض وعلاجها، وبشكل خاص هذا الفيروس الذي اعتلى عرش جميع الفيروسات، كالسارس والإيبولا وإنفلونزا الطيور والخنازير، التي اختصت بالدخول إلى جسم الإنسان والتلاعب في حياته وجيناته، ومن ثم إيذاؤه مرضياً، وصولاً إلى قتله، وهذا ما أدى إلى حدوث إرباكات كبيرة في السياسة العالمية، وهزّ اقتصادات الحكومات الصغيرة والكبيرة، وخلق التيه والحيرة لدى الكوادر الطبية، وأرعب السلطات الدينية التي تركها وحدها، بعد أن فصلها عن مريديها، وأظهر الأخطاء المفجعة في التحضيرات الصحية والإهمال الهائل في التحصينات الطبية لدى الجميع دون استثناء.
 أسئلة عديدة فتحت من خلال تقدم هذا الفيروس، لم يجب عنها حتى اللحظة أحد، ووحده يتغلغل وينتشر ويحصد النتائج الوفيرة، وفيات هائلة وإصابات مريعة، ولا مؤشرات إلى إمكانيات الحد من خطورته أو إيقافه، لأنه أسرع من الصوت والضوء والهواء وكل الأسلحة التقليدية والفتاكة، إنه يصرخ في وجه البشرية، يسألهم عن إنسانيتهم التي فقدوها وأدبياتها وأخلاقها الكونية، نعم قلت في مادتي السابقة التي عنونتها: "من فعّل كورونا" بأن الله يتفرج ولا يتدخل، لأن أبناءه يفتكون ببعضهم، ويعتدون على بعضهم، فالقوي يسحق الضعيف، والغني يلتهم الفقير، قتل واغتصاب بلا وازع ولا ضمير، مؤكد أنه سينتصر للخير، للمؤمنين الحقيقيين، لا للمدلسين والمدنسين والفاسدين والمفسدين، لا للمتكبرين والمتجبرين. ها هو يكشف الكل دولاً ومجتمعات وأفراداً بفيروس لا تراه العين إلا بالمجهر، من القادر على الكشف عنه، وتقديم المعلومات الصحيحة للبشرية؟ كيف نوصلها إلى الشرائح الكبرى التي تمتلك المفاهيم الخاطئة عن الحياة وأحاديث مبهمة ومركبة وعادات وتقاليد عفا عنها الزمن، لكنها مازالت شائعة بين أفرادها.
هل نحن مرضى؟ فلنشكر الله على الصحة، وهل نحن مقيدون؟ فلنشكر الله على نعمة الحرية، هل أدركنا معنى الصحة؟ إذاً فلنعمل للحفاظ عليها باتباع شروط الوقاية، ولنكن حريصين على الالتزام بها، بغض النظر عمن صنعها، الله بكونه القوة العظمى الأولى اللا مادية؟ أم القوى العظمى الخمس المادية الدائمة العضوية؟ فالحالة التي سببها هذا الفيروس أوقفت العالم برمته على قدم واحدة، لتسأله إلى أين؟ إلى ولادة جديدة تنتج نظاماً عالمياً جديداً يعيد للسياسة رونقها، وللاقتصاد أسسه، وللأديان أخلاقها التي يجب أن تظهر في الحروب وانتشار الأمراض والخطوب، لا أن تختفي كما هو السائد الآن. أم إلى انفلات مستمر حتى النهاية، هذه التي إن لم نسرع ونعمل جميعاً يداً واحدة تأخذ سواد البشرية إلى الأسفل، وتكون الأرض التي ندوسها ونمشي عليها غطاءً لنا.
حدث لا إنساني شلّ حركة العالم، وضرب مراكز اقتصاداتها، من فعل ذلك؟ هل الصين التي عرفته قبل أي دولة، حاصرته وعالجته وتركته ينتشر، أو سهّلت انتشاره، ومن ثم عادت لتقديم المشورات والمساعدات؟ من سيتحمل الخسائر؟ ومن سيجني الأرباح؟ ربما في النتيجة الرابح الأكبر المناخ العالمي، وربما كان كل هذا وهماً، أي إن الكورونا وهمٌ غايته خلق الهلع والتهويل والإثارة، لكنه حقق مبتغاه ضمن لعبة الكبار، هذه اللعبة التي ستتجاوزها البشرية، بعد أن اعتبرته تحدياً لوجودها، وستحول هذا التحدي إلى حياة جديدة ملؤها الفرص الإيجابية المبتعدة عن لغة التآمر والاضطهاد والتهديد والوعيد، هل يكون هذا الحدث اللا إنساني منجباً للإنسان المفضل لدى البشرية.
 د. نبيل طعمة 



عدد المشاهدات: 692

طباعة  طباعة من دون صور


  كاريكاتير

رزنامة نشاطات المجلس
للأعلى