مجلس الشعب السوري
اسم المستخدم
كلمة المرور
نسيت كلمة المرور
تسجيل جديد
 الرئيسية 

الدكتور نبيل طعمة يكتب : التضاد عدوّ السلام

الأربعاء, 3 كانون الثاني, 2024


منذ بدء الخليقة أسس الإنسان حضوره على وجود الند الذي كان يحيط به "وحوش، سلطات الطبيعة، زلازل فيضانات وبراكين"  واعتبره أساساً لتطوير وجوده وتفاعله معه، وأخذ معه يعدّ نفسه لمقاومته، أخذ أولاً بمبدأ الحماية الأول الذي جسده بالتسوير والتحصين وإعداد العدة لمواجهته في أي لحظة، إلى أن اعتبره يماثله أو أصغر منه أو أكبر، نتاج وعيه بأنه ممتلك للفكر المدبر والعقل المدير، المهم أنه اعتبر بأن حدوث أي ضربة منه ستكون مؤلمة بشكل أو بآخر وأن مقاومته ضرورة، والأهم كيف له أن يتفادى هذه الضربة،  ومن خلال فهمه أنه إنسان (ذكر وأنثى) تحول إلى مجتمع متكامل أخذت تنمو فيه الصفات الحميدة والسيئة، وهذه الصفات هي التي أظهرت مجتمع الضد، نظراً لاختلاف الأفكار والمعتقدات وتفاوت نسب الالتزام في القواعد والمناهج، مما يحولهم إلى معارضة مطورة أو مدمرة ضمن مجتمعهم لمجتمعهم نفسه من خلال الأحلام أو تضخم الأنا، أو تحولهم إلى عملاء لمجتمعات أخرى، وهنا يظهر التضاد ويأخذ مجراه كعدو لابد من مقاومته أو الحوار معه كنتيجة ضامنة  من أجل الوصول إلى السلام بشكل خاص.

مَن مِن الناس لا يريد السلام؟ فالسلام يمنح الأمان، وسواده بين الناس يعني الاطمئنان والذهاب للعمل والإنتاج، لذلك تحيا الإنسانية أوقات عصيبة وصلت إليها المجتمعات الآن نتاج فقدهم للسلام، فلا أحد في الجوهر يريد هذا السلام رغم الحديث عنه، الكل يتجاهل حقيقته والكل غاضب والكل يريد أن يغتصبه، التضاد يسود والضغائن تتصاعد والأحقاد تنمو، المؤامرات تنتشر والاعتداءات متواصلة دون انقطاع، حوارات تقع بين الرفض له أو الاستسلام تحت عنوانه، الحرب يحمل أفكارها الصغار والكبار، الانتقام غدا اللغة الفريدة بين الأنام، والأديان عرّت وجودها بالاصطفافات، القتل بدم بارد وحار، السياسات كشرت عن أنيابها معلنة حكم العالم بقوة المال والجنس والسلاح، كل ما أبدعه العقل البشري يُجيّر الآن لخدمة المهاجمين وكأنهم فقدوا خيار العودة إلى الوراء.

السلام هائم بين حقيقة منشودة أو حلم مفقود أو تغيّب مقصود، رغم أن الإنسانية، ومن لحظة ظهورها، اعتبرته هدفاً متاحاً للجميع ومعلناً على ألسنتها، تحيا من أجل الوصول إليه، وبشكل خاص، المجتمعات المستضعفة، المستهدفة بعد أن كانت قوية بإيمانها ومبادئ أخلاقها وأديانها السمحة التي غدت اليوم في متناول السخرية من قبل القوى البشرية التي امتلكت فائض القوة وذهبت بها إلى الضغط واستباحة الأمم ومنعها حتى من إثبات وجودها، بعد أن تم استبدالها بالطوائف والمذاهب والأيديولوجيات، وتأييد كل ما تذهب إليه السياسة وهي التي كانت مقوية لها، وتم استبدال المنظومات الدينية الحقة بمنظومات وهمية تُبعد المجتمعات عن فهم السلام الذي يؤمن بالعادات والتقاليد النبيلة والحب والانتماء والارتقاء، وتجذبهم لتعلم الوقائع التي تُفرض عليهم، وبدلاً من دمج الإيمان بالعلم الممتلئ بالنظريات والفرضيات الرياضية والفيزيائية والكيميائية وامتلاك اللغات، تذهب السياسات لفرض تعليم تاريخ الحروب بين المجتمعات والأمم، وبيان أهمية التعامل مع توفير الغذاء الوطني والاقتصاد المنزلي والحياة الجنسية؛ أي صرف الانتباه عن العلوم الحقيقية المنتجة للعلاقات الإنسانية واستبدالها بتعاليم وهمية تنتزع المبادرات من يد الشعوب وتفرط عقد مفاهيم الوطنية بين الأفراد ومجتمعاتها، وتستبدلها ببيروقراطية مصطنعة تأكل من عقولهم، محدثة التخريب الخفي الذي يهدم الحدود ويدمر الجسور ويقدم الحروب على كل شيء و يتبنى أي شىء من أجل إشعال هذه الحروب، وللعلم فإن اللجوء للحرب يعتبر من أسوأ المفاهيم التي يعتبرها القائم بها بأنها تنجز السلام، هناك تخريب للعقول عبر إسقاط الأخلاق ونشر الفتن، وهذا ما أراه منتشراً اليوم من قبل مناهضي السلام، وأمام كل هذا أجد أن لا شيء مستحيل عندما تصمم المجتمعات على الإنجاز وتجاوز كل هذا الذي أطرحه.

التضاد حمله الإنسان في داخله وتجسد في الحروب والانتقام والاعتداء وتطوير الغرائز والأحلام وأفكار الفردية، فإن تطورت لديه انفلتت وغدت ضده وتحولت لتأخذ شكل التمرد في هذا الزمن الذي يسود على كل ما يخالفه ويسعى به للتخريب لا للتطوير، مع أن المطلوب منه أن يكشف الصح ويبين الخير، ويظهر الحقيقة التي من المفترض أن تؤدي إلى السلام، فهل حقيقة يحدث ذلك؟ أم أن التضاد يجسد كل فنون الحرب الخبيثة التي يكون أقواها التدمير عبر الاقتتال، وغايته دائماً إحداث الخلل وتمييع الحقائق، وأكثر من ذلك تخريبها بإسقاط مبادئ الأخلاق؛ أي إسقاط السلام.



عدد المشاهدات: 697

طباعة  طباعة من دون صور


رزنامة نشاطات المجلس
للأعلى