مجلس الشعب السوري
اسم المستخدم
كلمة المرور
نسيت كلمة المرور
تسجيل جديد
 الرئيسية 

الدكتور نبيل طعمة يكتب : صناعة التفاؤل

الأربعاء, 7 شباط, 2024


ضرورة يجب على جميع المشتغلين والمهتمين ببناء هذا الوطن والحفاظ على كرامة عيش أبنائه الاتجاه إليها، وهذا غالباً ما يحدث في ظروف شائكة ومعقدة، نرى فيها تلاشي مشاعر التفاؤل وانتشار الكآبة بين أفراد المجتمع، وامتلاء أفكار الناس بالريبة والتشكيك في إمكانية النجاح أو القدرة على التغيير والنفور من الواقع.

مؤكد أن الكثرة تمسك بأسباب ودوافع التشاؤم، الداخلية منها والخارجية،  لاسيما وأن الكآبة كانت قد ضربت أطنابها بين طبقات المجتمع، والكل يشتكي وفق حاجاته ومتطلباته، فهل المهمة الملقاة على عاتق الكتّاب والصحفيين والمفكرين والمحللين والباحثين والساسة والاقتصاديين، الذين يمثلون حملة الرأي، تعزيز التشاؤم والكآبة، أم تقديم الواقع كما هو وبث روح التفاؤل فيه، والحث على تعاون الجميع لإيجاد مخارج  نوعية تفكك الأزمات وتتجاوزها وتنجز إضاءات ترى الناس من خلالها بوارق الأمل، وتتدارس خطورة التشاؤم على السلوك الاجتماعي والوحدة الوطنية المطلوب تعزيزها، وبث روح الأمل والتفاؤل بين الناس، وهنا أضيف بواقعية، وبعيداً عن العواطف، أن التشاؤم موجود حتى بين متعاطي السياسة والاقتصاد، وإن كان من وراء حجاب أو بالتهامس، أو في لحظات اعتراف غير معلنة.

 وبما أن العمل الفكري يجب أن يكون متميزاً وحاملاً وطنياً يدفع بالمجتمع إلى الأمام، لا أن يكون تبريرياً همه الرئيس، فقط، دعم إخراج المشهد العام من التشاؤم إلى التفاؤل وهمياً، بل يجب أن يتجه بجدية إلى طرح العوامل المساعدة كي يكون جزءاً هاماً من عملية التخلص من هذا التشاؤم، لذلك وضعت عنواناً لهذه المادة تحت مسمى (صناعة التفاؤل) متوجهاً به لصناع الفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي على اختلاف مشاربهم،  نظراً لتضاؤل منطق الرأي العام وفقدان صنّاع الرأي للبوصلة الوطنية إلى حدٍ كبير، هذا الذي أشبهه بحالة الاستعصاء عن الاستجابة للتحديات، وإذا آمن هؤلاء الصناع بأن (الدومينو) نظرية فهم ليسوا على صواب، لأنه لعبة مؤقتة غايتها أكثر من خداع للفكر؛ بل تدميره بسرعة، من خلال الخدع البصرية المتجسدة في تركيبة انهيار قواعد البناء بسرعات متتالية ومتسارعة، غايتها اختزال الزمن الذي يشير إلى تحطيم الواجهات الصغيرة وصولاً إلى الأهداف الكبيرة المُجسدة لعمق اللعبة.

يعتبر التفاؤل من أهم ضرورات الحياة، وأكثر من ذلك، هو بند من بنودها الذي بدونه لا يمكن للحياة أن تستمر، وعندما أتحدث عنه بأنه صناعة، وذلك لكون الواقع يفرض حضوره بقوة المنطق الذي يشير إلى أنه مطلب إنساني، والقاعدة تقول: "تفاءلوا بالخير تجدوه" وهذا ليس مسكوناً في مجتمعنا فقط، وإنما لدى البشرية جمعاء، فوجوده يعيد التألق ويغيّر الوجهات الاجتماعية والسياسية في آن، ويرسم وجوهاً جديدة للحياة الثقافية وللعملية الإنتاجية، فالذي ذَهبَ غادرنا إلى غير رجعة، ويجب أن يذهب معه التشاؤم والكآبة، ليحلّ محله الانتماء والتسامح والوفاء لثقافتنا وتقاليدنا وهويتنا، فالتفاؤل يحمل تفاصيل إشعاع الحب والهوية واللغة الجامعة والأداء الجيد، هذه المفردات التي لا أظن أن أحداً يقبل التفريط بها، وعلى العكس تماماً من كل ما يجري، يتولد الإصرار على التمسك بالحياة والبحث عن جمالياتها واحترامها بشدة لإيمانها الروحي والمادي، فلا يمكن لكائن أن يتفاءل دون حوار مع مكونه، وكذلك لا يمكن له النجاح والتقدم إلا من خلال دمج الصبر بالتفاؤل، هذه المعادلة التي حدث جزؤها الأول، ونحتاج لجزئها الثاني الذي يحدث الآن، وهذا ما أعتبره تجسيداً لثورة متكاملة الأبعاد بكل ما تعنيه الثورة من معنى في مجال عمل الحزب وإدارات السلطات الثلاث؛ أي أن الفكرة العميقة مما يجري وسيجري في هذا العام يؤكد على أن التفاؤل ضرورة وحقيقة تتجلى ضمن مسيرة التقدم.

صحيح أننا مررنا بعقدٍ ونيفٍ كان كبيساً في أيام وسنين لا يغفل عنها أحد، وهنا لابد من التفريق بين السنة والعام، هما مترادفات في اللغة، إلا أن الاختلاف بينهما جوهري، فالسنة تدل على المشقة والعام على الرخاء، لذلك يجب علينا أن نستند إلى السنوات  لنصل إلى الأعوام: "تزرعون سبع سنين دأباً" أي سنيناً من العمل الشاق وبذل الجهد للوصول إلى: "ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس"  وعندها سينتشر الود والوئام بحكم دوران عجلة الحياة المنتجة، ومن هنا يتأكد لنا أن السنة تشير إلى الشدة والعام يشير إلى الرخاء، حيث يكمن التفاؤل المقرون  بالعمل، فكم عملت الدولة عبر هذه السنين العجاف، ومازالت تعمل، لتصل إلى العام؛ الأمر الذي يدعونا للعمل معها بجد وأمل، والتمتع معها بالتفاؤل كي نصل إلى الراحة والرخاء المنشودين.

إنه التفاؤل، يُنهي الأحقاد ويبني التسامح ويعزز مقولة: (قبل أن تشرع في رحلة الانتقام احفر قبرين أحدهما لعدوك والآخر لنفسك) ومن خلال هذا أعود لأؤكد بأن المنطق ضرورة غاب عنا استعادته وتعزيز وجوده بالحوار الخلاق، لأن أهم بند من بنود التفاؤل يكمن في الحوار الذي يؤدي إلى التقاط المفيد والمناسب والأفضل، وأن الومضات التي تلمع أثناء حدوثه تؤدي، في أغلب الأحيان، إلى انفراجات وانطلاقات إلى مسارات نوعية. 



عدد المشاهدات: 515

طباعة  طباعة من دون صور


رزنامة نشاطات المجلس
للأعلى