مجلس الشعب السوري
اسم المستخدم
كلمة المرور
نسيت كلمة المرور
تسجيل جديد
 الرئيسية لقاءات ومؤتمرات 

خالد العبود ضيف موقع الحدث

الأحد, 7 شباط, 2016


هـو برلمانيّ ذكيّ رائع، ومحلّل محنّك بارع، يتمتع ببعد سياسيّ وأفق شاسع، ذهبنا إليه وفي جعبتنا العديد من التساؤلات والاستفسارات التي تحاكي معاناة وتفكير المواطنين السوريين وتلامس الواقع، وتفسر الكثير مما يحدث من مجريات على الأرض السورية ووقائع، بعضها أحداث مؤلمة تخالف كافة الأعراف الاجتماعية والشرائع، وكان هذا الحوار التفصيلي الواسع، المحمّل بالسرد التوضيحيّ النافع...عبر شبكة سورية الحدث الإخبارية المنبر الساطع ..

 

 

    ينسب إليك قولك: قلائل جداً هم الذين يدركون حقيقة الحاصل في الميدان السوري... لذلك كثيرون جداً هم الذين سينظـّرون فيه... فهل من الممكن بداية أستاذ خالد أن نقف على بانوراما سريعة توضح لنا من خلالها حقيقة الحاصل في الميدان السوري؟

 

في مطلع العدوان على سورية – وقد نختلف مع آخرين بأنه لم يكن عدواناً – لكننا كنّا نقرأه منذ لحظته الأولى على أنه عدوان، وأعتقد أن البعض اختلف معنا على طبيعته لأنه استُعمل في سياق هذا العدوان، ونتيجة دور ما قام به، إذ أن هناك بعض السوريين قد استُعملوا، وهناك فئة أخرى اختلفت معنا في توصيف الحاصل منذ اللحظة الأولى، لأنها لم تعتد على هذا الشكل الجديد من الحروب، فعقلنا في المعارك مأسور لمشهد واحد، ألا وهو المعارك التي تعني أن هناك طرفان، هناك جبهات مفتوحة، وطبيعة ما معينة، أبعاد وأشكال وأدوات، هذه الأمور التي كنا قد وعيناها تاريخياً، واستطعنا أن نتفّهمها وندركها، لكن أن تقوم حرب على سبيل المثال تحت مظلّة ثورة، وأن يكون هناك عدوان علينا تحت مظلة ثورة ومجموعة من الشعارات، فطبعاً قلائلٌ هم الذين سيلتقطون هذا المشهد – أو هذا العنوان – ولذلك فإن الدولة بتقديري كانت واعية جداً، من خلال مؤسسة الرأس فيها، وأعني بالضبط رئاسة الجمهورية، وبالتحديد سيادة الرئيس بشار الأسد باعتباره رأساً لهذه المؤسسة، فقد كان يدرك ذلك، وأعتقد أن قليلين جداً كانوا قادرين على التقاط هذا العدوان في أبعاده الإستراتيجية والبعيدة؛ وإن سألتني هل لديك معلومات حتى استطعت أن تقول منذ اللحظة الأولى أن هناك عدوان على الوطن السوري؟..

أقول لك: بعيداً عن المعلومات – ولو أنه يوجد لدي بعض المعلومات، لكن في التحليل يوجد هناك قواعد ثقافية، ومعرفية، إذ لا نستطيع مغادرة ذواتنا، بمعنى أن هناك ناظم وحاكم لهذه المنطقة، وعندما كنا نعود إلى التاريخ ونتحدّث عن الثورات، كانت ممالك ومدن ترتجف آنذاك، خذي على سبيل المثال... عندما تحدّثنا عن ثورة تموز الناصرية، ارتجفت مملكة آل سعود، وارتجفت معها ممالك أخرى، ووقفت في وجه جمال عبد الناصر، وعندما قامت ثورات فيما بعد في العراق وسورية وليبيا والجزائر.... الخ، وأنجزت مفهوم الدولة الوطنية، كانت دائماً هذه الممالك، وهذه المدن المتصلة بطبيعة هذه الممالك، هي التي ترتجف، وحين قامت الثورة الإسلامية في إيران، والثورة الفلسطينية، أيضاً كانت هذه الممالك ترتجف، فلماذا الآن تقف تلك الممالك مصفّقةً لهذه الثورات، هذا استدلال، وفي التحليل وفي فهم طبيعة خارطة النظام السياسيّ العربيّ الرسميّ، وبتصوريّ أنه نتيجة هذه الاستدلالات، ونتيجة جملة معلومات ومعطيات، جزمنا أن الحاصل إنما هو عدوان، وبالتالي فإنك تلاحظين أن كثيرين ممّن كانوا يتفلسفون وينظّرون حول الثورة والثّوار، وحول ما سمي الربيع العربيّ، كوّعوا فيما بعد واستداروا وذهبوا باتجاه عناوين أخرى تقول أن الربيع العربي كان وللأسف عدواناً على الأمة، عدواناً على اصطفافاتها، عدواناً على قيمها، عدواناً على أولوياتها...

إذاً... أي تنظير قبل أن نفهم طبيعة الحاصل في الميدان هو تنظير سينظّرون فيه كثيرون، لكن قلائلٌ جداً هم الذين استطاعوا أن يلقوا القبض على عناوين أساسية في طبيعة هذا العدوان.

ومثال هام على ذلك... محمد حسنين هيكل كان يقول في مطلع الثورة المصرية: (الله فعلوها العيال)، وحصل أنه بدأت أحداث ما في سورية، فخرجتُ على التلفاز بالأسبوع الأول وقلت: "إن سيناريو /1957/ يُعاد، لكن مصر جمال عبد الناصر ليست إلى جانب بشار الأسد، لكنني أعوّل على ملء هذا الفراغ من خلال الشقيقة إيران"، تمّ رصد هذه المقولات بعد خمس من السنوات، حيث عاد محمد حسنين هيكل كي يقول: "أخطأت مصر عندما لم تقف إلى جانب الرئيس بشار الأسد"...

بمعنى أن في هذه الفسحة من الزمن الكثير من الكمّ الثقافي الذي يمكن أن يتمّ التنظير فيه، لا تنصتوا إليه كثيراً، فهو حشو لأنه يقوم على فعل اللحظة، وإذا لم تستطيعوا أن تلمّوا بإستراتيجية العدوان وإستراتيجية صدّ العدوان، لا يمكن أن تفهموا بأي شكل من الأشكال جملة الظواهر التي حصلت، وبالتالي إذا حصل كرٌّ هنا، وفرٌّ هناك، لا تحاولوا أن تبنوا عليه، ولا تربطوه بإستراتيجية العدوان أو صدّ العدوان، ومنه فإن كثير من الكلام الذي يمكن أن يُقال وقيل في هذه المرحلة، ويجب عدم التعويل عليه...

هذا بالضبط ما عنيته لجهة الميدان، وجهة الحاصل في الميدان..   

 

 

    قلت سابقاً: قرار بالإجماع لمجلس الأمن يعني: أنّ أطراف العدوان الرئيسية أصبحت بحاجة ماسة لتبريد المفصل السوري، وهي غير قادرة على ذلك وحيدة... لذلك تستعين بالرئيس بشار الأسد!!!...

ماذا عن القرار الآن وأين صار؟

 

إننا تحدّثنا في الإجابة عن المحور الأول عن الميدان وفهم الميدان، وأنا باعتقادي – وهنا من خلال التحليل، ولا أريد أن أقوّل أحداً أو أتحدّث باسم أي مؤسسة، بل أتحدّث كمواطن عربي سوري – أن العدوان على العالم العربي وليس على سورية فقط كان عدواناً ذو طبيعة مختلفة عن أيّ عدوان آخر، وبالتالي كان تحت عنوان لطالما تحدّث فيه فلاسفة أمريكيون، لطالما تشدّقوا بشيء اسمه الفوضى الخلاقة، وطالما نظّروا فيها، وبنوا عليها نتائج ومنجزات وتطلعات، وعندما حصلت الفوضى الخلاقة، وهنا يجب أن ننتبه أنها لا يمكن أن تحدث تحت مسمّى الفوضى الخلاقة، وعنوان الفوضى الخلاقة كان بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، لكن لن تدخل علينا تحت هذا العنوان، بل من خلال عناوين أخرى ملتوية، وهذه هي الأمور التي لم ينتبه لها كثيرون، فدخلت علينا تحت عنوان الربيع العربي، وشعارات براقة، من حرية وديمقراطية، وحقوق إنسان وأقليات... الخ، لكنها في جوهرها هي فوضى خلاقة، وطبعاً هذا لا يعني أنني ضد الحرية وضد حقوق الإنسان، ولا يعني أن نظامنا السياسي لا يشوبه عيوب من هنا وهناك، لكن أريد أن أوّصف الآن...

وحتى تستطيعي أن تواجهي هذه الفوضى الداخلة عليكِ أمامك ثلاثة احتمالات للمواجهة، إما أن تصبحي أداةً في هذه الفوضى أي في سياق هذه الفوضى من أجل أن تأمني رأسكِ منها، (وهذا ما فعلته ممالك العربان من قطر، البحرين، الكويت، الإمارات، السعودية، الأردن...)، فالتاذت بالفوضى وتحولت إلى أداة في يد أطراف العدوان ذاتها... وهذا الاحتمال الأول.

والاحتمال الثاني أنكِ اكتشفتي أنها فوضى، فخرجتِ لمواجهتها بعقلٍ تقليديّ وكلاسيكيّ، فبدلاً من أن تردّي بفعلٍ استراتيجي، نظرتِ فوجدتِ أن هناك أطرافاً وأدواتٍ على الأرض فخرجتِ لمواجهتها، وبما أن إستراتيجية الفوضى ذاتها باعتبارها نمط متقدم جداً من أنماط الحروب، لا يمكن أن تواجهيها بعقلٍ تقليديٍّ وكلاسيكيٍّ... وهذا ما حصل في ليبيا، وبالتالي فإن أنظمة سقطت لأنها تعاملت مع أدوات الفوضى الخلاقة بعقلٍ تقليديٍّ وكلاسيكيٍّ.

أما الاحتمال الثالث فهو أنكِ يجب أن تردّي على هذه الفوضى بفهم لها، والتسلّل إليها، واستيعابها، والمساهمة في إدارتها، إذاً تقومي بالردّ على هذه الفوضى بالمساهمة في إدارتها، لأنه يجب ألا تقعي في مطبّ الاشتباك مع الأداة، ونسيان من يشغّلها، وهذا الاحتمال هو ما اعتمدته القيادة السورية، ولذلك بدا المشهد لكثيرين ممّن ينظّرون في الميدان أنه مغلوطٌ ومعكوس، وبدت هناك معايير للهزيمة والانتصار...

فعلى سبيل المثال... في العقل التقليدي الكلاسيكي، فإن السيطرة على الجغرافيا انتصار، في حين في العقل الاستراتيجي لصدّ العدوان فإنه ليس بالضرورة أن تكون السيطرة على الجغرافيا معيار انتصارٍ أو هزيمة، وهنا بمقدار دخولك على هذه الفوضى، واستيعابك لها، وقدرتك على المساهمة فيها، سوف تفوّتي على العدوّ إمكانية استعمال هذه الفوضى ضدّك، والدولة السورية – بتقديري – بفضل استخباراتها، وبفضل مؤسساتها المتقدمة، فهي اشتغلت على الاحتمال الثالث، هي فهمت الفوضى، استوعبتها، ودخلت فيها، وساهمت في إدارتها، وأما الأمريكي فهو يبحث عن مصالحٍ كبرى في المنطقة، وعندما لم تعد أدوات هذه الفوضى كاملةً في يديه أصبح يستدير، وذلك لأنه أدرك أن أدوات الفوضى وأدوات العدوان ذاتها لن تأتِ بالنتيجة التي كان يفكر بها...

 

إذاً... من له القدرة بالمساهمةِ في هذه الفوضى سلباً وإيجاباً أصبح المتحكّم بحرارة المنطقة، وهذا ما أنجزته الاستخبارات السورية، فأصبحت متحكّمةً بحرارة المنطقة، والأمريكي هنا استعمل داعش مثلاً والإرهاب، لكنّ حرارة المنطقة ارتفعت بشكلٍ كبير أثرّت على مصالح الأمريكي، فلم يَعُد قادراً على تبريد المنطقة بالطريقة التي يريدها، ووصل إلى أماكنٍ فقد فيها السيطرة على المنطقة، بفضل الفوضى الخلاقة وأدوات الفوضى الخلاقة، ولم تَعُد المنطقة بين يديه، بل أصبح جزء منها بيد خصمه بفضل فعل الاستخبارات السورية، وفي هذه اللحظة، الأمريكي لا يستطيع إشعال المنطقة لنهاية العمر، لأن له مصالح، وللبحث عن مصالحه لا بدّ أن يبحث عمّن يبرّد المنطقة، والسوري مساهم أساسي فيها، وعندما جاء الأمريكي ليبرّدها وجد أن المفاتيح الأساسية لتبريدها بيد السوري وحلفائه، فذهب معهم إلى منتصف الطريق، وحتى تُبَرّد المنطقة لا تُبَرّد فقط بتعاون استخباراتي، وهذا ما أقرأه أنا شخصياً بكلام السيد الرئيس بشار الأسد بأن "أي تعاون أمني لا يُصرَف في السياسة، لا يمكن أن نذهب إليه"... وهذا يعني إذا كان مشروعك في الأخير خشيةً على مصالحك، وليس لديك القدرة على تنفيذ أهدافك، لا أعطيك إياها إلا إذا أعطيتني بدلاً منها سياسة، وفي تقديري هنا أن الأمريكي، مع الروسي، مع الأوروبي، والدول الفاعلة على مستوى العالم، تحتاج لتبريد المنطقة، وبالتالي تحتاج لقرار من مجلس الأمن، وأساس الفوضى الخلاقة أن يكون الدور السوري صفر، وأن يذهب دورنا السوري إلى مزبلة التاريخ، لكن بفضل ذكاء الدولة وقدرة الدولة على إدارة هذه المعركة، فقد حجزت موقعاً للسوريين، وأصبحت تتمسك بمجموعةٍ من المفاتيح، ولا يمكن تبريد المنطقة بدون ما تحتجزه الدولة السورية لجهة هذه الفوضى التي دعاها الأمريكي بأنها خلاقة...

لكن كم نحتاج زمناً؟... لا أعلم، لأن الزمن ليس بيدي أو بيد أحد، فهناك عوامل كثيرة تساهم في تحديد الزمن، هذا ما عنيته بالضبط، وهذا ما سوف يحصل والأيام بيننا...

 

         
·       نادت سورية ولسنوات عديدة بالأمة الواحدة وتغنت بالقومية العربية... طبعاً هذا جيد، لكن بعد ما يقارب الخمس سنوات من الحرب الدائرة على سورية، والتي واجهنا فيها الأمرّين من دول عربية شتى، ومن جامعة الدول العربية على وجه الخصوص... أليس من الواجب الانتباه إلى المصلحة الوطنية التي أهملناها من أجل المصلحة القومية والتي اعتبرناها المصلحة العليا؟!...

 

في السياسة يجب أن ننتبه أن السياسة ليست فعلاً ارتجالياً... هذا أولاً، والسياسة لا تنتج ذاتها، وليست السياسة نتاج علاقات عامة، كما أنها ليست نتاج عواطف ومشاعر، فهذه أساسيات لنضعها جانباً، الأساسية الثانية أنه يجب أن نفرّق بين نظام عربي (حكومات) وبين شعب عربي، ونحن كقوميين عرب إن كنّا بعثيين أو غير بعثيين هدفنا الأول هو وحدة هذه الأمة، فعندما نقول أن هدفنا وحدة، فمعنى ذلك أننا مقرّون بأننا أمّة متفكّكة، فهناك ما يسمى نظام عربي رسمي هو الذي ساهم بعدم وجود الوحدة والحرية والاشتراكية، وإلا لو كان هذا النظام العربي الرسمي في مجمله مع الوحدة والحرية والاشتراكية لكنّا حققنا هذه الأهداف ووضعناها جانباً – وهذه النقطة بالنسبة لرفاقنا البعثيين والناصريين، فهم لو غيروا مكان الوحدة والحرية والاشتراكية لكنها هي ذاتها – لكننا نعلم في قرارة أنفسنا في السياسة والمعرفة، أن هذا النظام العربي الرسمي ليس مع الأهداف الأولية للأمة، ليس مع وحدتها، وليس مع حريتها، وليس مع عدالتها الاجتماعية، وعندما يكون هناك عدوان على دولة وطنية تمارس دوراً باتجاه هذه الأهداف ما عسانا نتوقع من هذا النظام العربي الرسمي؟!... هل سيقف إلى جانبها؟!... بالطبع لا...

لقد وقفوا إلى جانب العدوان على جمال عبد الناصر، ووقفوا إلى جانب العدوان على العراق الشقيق، وموّلوه، فهل تريدون أن يقفوا إلى جانب سورية في وجه هذا العدوان عليها؟ّ.. على العكس تماماً، فأنا وبمنهج التفكير قبل قليل في سؤالك الأول قلت لكِ أن هناك استدلالات، ولو وقفت هذه النُظم مع سورية لشككت بالدور..

إذاً... هناك استدلالات تدلّ على أن هذا النظام العربي الرسمي يجب أن يكون هذا هو دوره، وبما أنه كذلك إذاً أنا عندما أنادي بالوحدة والحرية والاشتراكية أوجّه ندائي لشعب عربي وليس لنظام عربي رسمي، وعندما يمارس هذا النظام دوراً سلبياً في وجهي ووجهك، ويقنعنا مائة بالمئة أنه هو الشعب العربي، فنحن إذاً في ورطةٍ معرفية.

إذاً.. منهجياً يجب أن نفرّق بين نظام عربي وشعب عربي، وإذا استطاع هذا العدوان أن يوصلنا إلى مكان ندمج ونمزج فيه، ونطابق بين الشعب العربي وبين حكوماته، فنحن خسرنا، وإذا استطاع أن يوصلنا هذا العدوان إلى نقطة نقيّم فيها الشعب العربي من خلال حكوماته والنظام العربي الرسمي، فهذا يعني أن العدوان قد نجح، لهذا يجب أن نصرّ على أن هناك شعب عربي، وعلى أن هناك حكومات عربية...

وهنا ربما تسألين... ألم توجد هناك بعض القوى الشعبية وقفت مع العدوان على سورية؟... أقول لكِ: نعم، فقد شرحنا منذ قليل أن طبيعة العدوان مختلفة، وأن بعض السوريين استُعملوا كأدوات من العدوان على بلادهم، وبالتالي من الأَولى أن تُضَلّل (اصطفافات ، أجزاء، كتل بشرية) من الشعب العربي في الأيام الأولى، وفي منتصف المعركة، ويقولون بأن هناك ثورة في سورية، فإن استطاعوا تضليل بعض فئات مجتمعنا، فحتماً سيستطيعون تضليل بعض فئات مجتمعاتهم، ومهمتكِ في هذه المعركة أن تظّهري حقيقة الحاصل في سورية، وأن توصلي لهذا الشعب على مستوى الداخل السوري وعلى مستوى الخارج العربي حقيقة ما يجري، عندها تتمكنين من أن تُفهمي الشعب العربي أن الحاصل في سورية هو عدوان، وهذا العدوان ليس فقط على سورية، بل على العراق وليبيا وتونس ومصر أيضاً... وهذه هي وظيفتك، وبمعنى آخر إحدى أهم تجليّات انتصارنا يجب أن يكون في فصل النظام العربي الرسمي عن الشعب العربي، والذي هناك جزء منه قد تورّط، لكن هذا أمر طبيعيّ...

لذلك.. في ظلّ الصالح الوطنيّ يجب أن نبحث عن الصالح القومي، وأي قوة للصالح الوطني الحقيقي سيعطي قوة للصالح القومي، وأي قوة للصالح القومي الحقيقي سيعطي قوة للصالح الوطني، وأيّ فصل بينهما سوف يؤثر على كليهما، ويضعف كلّ منهما... وحقيقة طاقة الدولة أنه إذا أردنا أن يكون لنا فعل حقيقي وطني، فعلينا أن نبحث عن فعل قوميّ أكبر وأقوى...

وهناك أمثلة واضحة... فإذا قالت لبنان مثلاً أني سأقدم الصالح الوطني على الصالح القومي، أو قالت سورية ذلك، فهذا يعني أننا نبيع ونشتري في لبنان، ونتخلّى عن القضية الفلسطينية، ومن الممكن أن نشجّع إيران على ابتلاع الأردن والخليج العربي بأكمله، والمهم بالنسبة لنا أن مصالحنا مع إيران باقية، حتى لو احترق الأردن على سبيل المثال، لكن إن حصل حريق في الأردن فهذا الحريق بجانبك، وهذا الخطأ الإستراتيجي الذي وقع به الكثيرون في ظلّ هذا العدوان إذ ظنّوا أن الحريق السوري من الممكن أن يبقى في سورية فقط وبمنأى عنهم...

وما يحصل الآن بتصوري هو محاولة لعزل سورية بطريقة ثقافية، ليجروننا للسؤال (أين كان العرب؟..)، فالنظام السياسي العربي الرسمي ليس معنا أصلاً، ونحن مقتنعون أنه ليس معنا، وهذا هو دوره، لكن علينا أن نحاول الفصل بين النظام العربي الرسمي وبين الشعب العربي الذي هو أساساً شعب محاصر، وفيه نسبة كبيرة من الأميّة والجهل، ومغلوب على أمره أحياناً، لكنه بحاجة إلى من يلفت انتباهه إلى هذه العناوين...

 

 

    ثمة من يرى لو أن منظماتنا الشعبية كانت حقيقية لكنا تجاوزنا الكثير من آثار ما جرى... ترى ما هو واقع المنظمات الشعبية اليوم؟.. وكيف يتم تقييم دورها خلال العدوان على سورية؟

 

إذا أردنا أن نقول أنه لا يوجد هناك منظمات شعبية حقيقية في سورية فنحن مخطئون، لأننا نعتقد أن هذه المنظمات الشعبية كان لها دور أساسي في طاقة الدولة، وفي تراكم – إن صحّ التعبير – منجزات الدولة، كانت تؤسس لبنية تحتية هامة وكبيرة جداً... هذه ضعيها جانباً.

لكن السؤال... في ظلّ طبيعة العدوان الجديدة علينا، وفي إستراتيجيته الجديدة، هل كان مطلوباً منّا تحييد هذه المنظمات؟..

أنا كنت أسأل هذا السؤال منذ سنتين، فمن أدار المعركة هل أراد أن يحيّد هذه المنظمات، ولا يضعها في فم أدوات أطراف العدوان، لأني أنا أنظر فأرى أن هناك عملية تحييد لهذه المنظمات، وآسف أن أقول بأن هناك عملية تحييد للأحزاب، وأميل في التحليل إلى أن من أدار المعركة أراد أن يحيّد المنظمات والأحزاب، لأنه وحسب اعتقادي أنه قرأ طبيعة العدوان والهجوم، ولو وضعنا الفرضية التالية... لو قمنا بتشكيل كتائب البعث منذ اللحظة الأولى، أو قلنا لهذه المنظمات اخرجوا في مواجهة هذه الأدوات، تصورّي مثلاً لو أن حزب البعث العربي الاشتراكي مع أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية قام بتسليح حوالي نصف مليون مواطن، فإنه بتقديري أن حرباً أهلية كانت لتحصل، وبرأيي أن من أدار المعركة أدرك أن إحدى الهفوات والمطبّات والأفخاخ التي نصبتها أطراف العدوان؛ بأن تقوم الدولة السورية باستعمال المنظمات والأحزاب، جسدياً وبشرياً، في مواجهة هذه المجموعات، لذلك أنا أميل ميلاً مطلقاً باتجاه أن من أدار المعركة حيّد الأحزاب كما حيّد المنظمات وأبقى على مؤسسات الدولة (كوزارة الداخلية، أو المؤسسات الأمنية)، فالمنظمات ليست مؤسسات دولة، بل هي روافد للدولة، كما أن الأحزاب منتجات للسلطة، إذاً فنحن نظلم منظماتنا عندما نحاول أن نشير لها بأنها لم تكن فاعلة، أو موجودة، أو... الخ، والدليل أنها اليوم موجودة، وأنها اليوم حاضرة، لكنها بشكل أو بآخر حيّدت من مسرح المواجهة وهذا القرار باعتقادي كان مصيباً جداً...

 

 

    أستاذ خالد... كما تعرفون أن ما يهمس به الشارع هو نبضه الحقيقي، وكثير من الهمس الذي تحوّل إلى كلام ربما كان جارحاً ببعض الأحيان حول حملة "عيشها غير" والتي بات السائد فيها جنون الأسعار الذي طال حتى لقمة عيش المواطن... ومن المزعج والمستفز بهذا الجانب أن معظم الوزارات والمديريات العامة والخاصة انضم إلى هذه الحملة، في حين بات معظم السوريين يشعرون باستهزاء من هذه الحملة ويطالبون بوقفها خلال العام الجديد... ما رأيك بذلك؟

 

أهُم لم يستخدموها كاستهزاء؟!.. أنا هنا أسألكِ وأعتقد أنهم يستهزؤون، وإن كانوا فعلاً لا يسخرون، فهذا عمل معيب، ماذا تعني "عيشها غير"؟.. ولماذا استخدام هذه العامية؟... فأنا أشكّ بهذا المفهوم، وبأساسيات وجهور هذا المفهوم، ومنذ البداية، كما أنني أشكّ أيضاً "عيشها غير في ظل حرب"، ومن المعيب جداً أن إعلامنا في منتصف معركة، وفي قلب معركة، ودماء في الشوارع، ويأتي ليقول "عيشها غير"....

لذا فأنا أشكّ بهذا المفهوم، وأشكّ في من يدفع بتظهير هذا المفهوم، لأنني أعتقد أن جذره ليس حقيقياً، وليس طبيعياً، ولا أميل إطلاقاً إلى تظهيره لا من قريب ولا من بعيد، أما إذا كانت "عيشها غير للمعركة" فأنا مع هذا المفهوم، أما سوى ذلك فأنا لست معه..

 

 

    يقال أن الإعلام هو السلطة الرابعة... وللإعلام دور هام جداً، وقد لمسناه في هذه الأزمة بكل وضوح وتجلّي، ما الدور الذي لعبه الإعلام السوري خلال سنوات الأزمة؟ هل كان قادراً على صدّ الهجمات الشرسة من الإعلام المعادي ودحض أكاذيبه؟.. وإلى أيّ حدّ استطاع التأثير في المتلقي خارج سورية؟.. هل أنجز الدور الذي كان من المفترض إنجازه في ظل حرب كونية كالتي نخوضها؟... وإن لم يكن كذلك فما هي الأسباب التي عرقلته بتقييمك؟...

 

أنا باعتقادي أن الإعلام لم يقم بدوره، كما أننا على المستوى الإعلامي نحن متخلّفون جداً ورديئون جداً، وأنا هنا أحملّ أنفسنا – على اعتبار أنني جزء من الإعلام – أننا كنا مجرمين بحقّ أنفسنا أولاً، وبحقّ الدولة والوطن ثانية، ربما هذا الكلام سيفاجئ البعض، لكن باعتقادي أن المنتج السلبي للإعلام، والنتائج السلبية للإعلام كانت كبيرة لدرجة أنها أساس أغلب الأوجاع التي نالت منّا؛ فالإعلام السوري لم يستطع أن يسوّق مُنجز ومنتج الدولة (من جامعات، ومدارس، ومستوصفات.... الخ)، فكيف له أن يخوض معركة، وهنا ربما يتهمني البعض ويقولون أن الإعلام تحدث عن انتصارات... أجيبهم: نعم، لكن الانتصارات لم يقم بها الإعلام، بل أنجزها الجيش، وربما يقول أحدهم أن هناك اختراقات... أجيبه: الاختراقات قامت بها الاستخبارات وليس الإعلام، وربما يقولون لي أيضاً: أنت خالد العبود تتحدث عن الدولة، وعن انتصارات الدولة، وصمود الدولة، أقول لهم: صحيح... ثبات الدولة وصمود الدولة والشعب السوري هذا ليس صموداً ولا انتصاراً ولا منجزاً للإعلام؛ فالإعلام لم يستطع أن يدير أدنى المعارك مع عدونا الإعلامي، ولم يستطع أن يفتح وعاءً لغوياً قادراً على أن يستوعب جملة الحاصل في الميدان السوري، فاكتفى (بانسحاب تكتيكي، ندين، تقدم للجيش العري السوري في مكان ما..)، والإعلام ليس هكذا، ولا هذه ماهيته، فهذا خبر، والإعلام منتج وليس خبراً، وهو ما قد أثّر بالسوريين وجعل جزءاً منهم وقوداً للعدوان...

في تقديري فإن الإعلام كان رديئاً، وأكثر مؤسسة رديئة في سورية كانت الإعلام، ولم تكن على المستوى المطلوب منها، بل على العكس، وسأحدثّك في المرات القادمة عمّا فعله الإعلام بالشعب السوري، وبالتالي ربما يقول لك قائل أن الإعلام موجود ويرصد ما يحصل وينقل الصورة، أقول لهم هذا ليس إعلاماً، للإعلام وظائف عديدة من (إخبار، وإعلام، وإعلان)، والمنتج الإعلامي هو التوعية، والالتفاف على العناوين، والتسويق، والتظهير... الخ، وهل من المعقول أن إعلاماً لم يستطع أن يسوّق منجز الدولة وتريدين منه أن يخوض معركة إعلامية؟!..

بالطبع لا يمكن، والدليل لاحظوا نسبة السوريين ممن يتابعون الإعلام السوري، قدّموا لي البرامج المؤثرة في السوريين ويقومون بانتظارها ومتابعتها، وقد يكون السبب برأي البعض هو بنية الدولة، لكن برأيي على العكس تماماً، لماذا أنجزت القوات المسلحة؟... لماذا أنجزت الاستخبارات؟... لماذا بقيت وزارة الصحة واقفةً على قدميها؟...

إذاً لو تدخلت بالإعلام مؤسسات أخرى وحالت دون القيام بدوره، لكان من باب الأَوْلى أن تتدخل هذه المؤسسات بالجيش وبالصحة وبالتعليم والخدمات...

إن منجز وزارة الإعلام هو الشاشة بالدرجة الأولى والصحف الرسمية، وأريد أن أسألهم... ما هو مردودكم بالوعي الجمعي لدى السوريين؟.. ما مدى قدرتكم في التأثير على الوعي الجمعي لدى الناس؟... إن راقبنا التلفزيون السوري نلاحظ أنه يخاطب ساحة الأمويين...

وإن ضربنا مثالاً.. كيف نسمح لهم في مضايا وبعد 3 – 4 سنوات أن يهاجمونا تحت عناوين "جوع وحصار ونظام قمعي"، لماذا لم نكلّف أحد مراسلينا في مضايا ولو بالتصوير عبر الموبايل، ونعرض ما يفعلونه المسلحون في مناطق سيطرتهم وعدم تواجد الجيش السوري، لكنّا بذلك قطعنا عليهم الطريق ولم نسمح لهم بأن يدخلوا علينا تحت غطاء عناوين مختلفة...

فالإعلام إذاً يخاطب ثلاثة بالألف من السوريين، وأكبر مثال حين تدخلين إلى أي مكتب مسؤول في سورية فإنك ترينه يشاهد قناة الميادين أو روسيا اليوم – على سبيل المثال – ولا يضع على الفضائية السورية إلا عندما يكون هناك خبر يخصّه؛ وبهذا المشهد في تقديري دليل كامل على أنه لا يوجد لدينا إعلام... وللأسف.

 

 

    من المعروف  أن العملية التربوية تقوم على ثلاثة أقانيم, (الطالب – المدرس – المنهاج)... وحسب الواقع فإن المدرس أو المربي هو بأسوأ حال، وهذا ما انعكس على الطالب والعملية التربوية، ناهيك عما حلّ بمناهجنا التربوية...

وما زاد الطين بلّة تعيين الطبيب البيطري دارم الطباع مديراً للمركز الوطني لتطوير المناهج في وزارة التربية...

والسؤال: أليس من الضرورة أن تكون هناك خطوات عملية ومراجعة شاملة للعملية التربوية بشكل كامل في سورية؟.. وما هو الدور المترتب على مجلس الشعب حيال ذلك؟ وإلى متى سيتم التعامل مع المناصب بغض النظر عن الخبرة والاختصاص؟!...

وهنا يحضر في ذاكرتي كلاماً لحضرتك قلته في أحد لقاءاتك التلفزيونية وهو غاية في الأهمية (ما زلنا في سورية – وهي أحد أخطائنا – لا نفرق بين تعيين مدير مدرسة ومدير دائرة، وتعيين وزير أو رئيس وزارة, وهذه المناصب يجب أن يتسلّمها رموز وطنية، إن أخطأت لفظها الشعب من التاريخ)...

 

أنا لا أعرف الدكتور دارم الطباع، لكنّي بِغَضّ النظر لا آخذ بهذا المعيار، ولا أقف عنده، كما أني أعرف أشخاصاً حاصلين على دكتوراه بالعلوم السياسية، لكنّ أقسم أن كل ما يقولونه هو شعر، ولا أميل باتجاه أنني إن كنت أريد أن أملأ مكاناً أملأه بعقلٍ ضيّق، وحقيقة أنا لا أعرف أي مديريات في وزارة التربية حتى أقول لكِ أن هذا صحيح أو خاطئ، فالوزارة مؤسسة ينظّمها نظام داخلي، يشرف على تنفيذه الوزير مع بعض المدراء، وأنا لا أتدّخل فيه لكني أحاسبه على نتاج العملية التربوية، وطبعاً هذا لا يعني أنه لا يوجد أخطاء في مؤسسة وزارة التربية، وأنه لا يوجد أخطاء في مؤسسة مجلس الشعب، بالطبع هناك أخطاء، لكن لست بصدد أن أدخل في وزارة التربية الآن، وأحاول نتيجة إثارة معينة ما أن أتطاول على فلان أو فلان، فأنا كعضو مجلس شعب ما أريده من وزير التربية هو منجز العملية التربوية...

أن تحافظ وزارة التربية على ذاتها كمؤسسة، وعلى منجزها التاريخي، وتبقى تدير العملية التربوية حتى في مناطق يسيطر عليها الإرهابيون، فهذا منجز لوزارة التربية، ليس منجزاً للوزير هزوان، لأنه إدارياً هناك وزارة رأسها الوزير، ومن ثم رئاسة مجلس الوزراء، ثم الدولة، فمؤسسة الدولة في النهاية مسؤولة عن هذه الوزارة بمنجز العمل التربوي، وأن ندير حرباً مدتها خمس سنوات بهذه القدرة على إدارة العملية التربوية رغم كل ما فعلوه من عراقيل مقابل أن لا تكون فهذا منجز يسَجَّل لوزارة التربية؛ وأن تصبح الحرب في وقت ما – عندما رفعوا شعارات في الأيام الأولى – لإيقاف العملية التربوية، ونراهم الآن وهم من داخل الجغرافيا المسيطر عليها من قبل هؤلاء الإرهابيون يبحثون ويتواصلون مع وزارة التربية من أجل أن تبقى العملية التربوية موجودة، فلو أن الطرف الآخر نجح في إيجاد منجز تربوي بعيداً عن مؤسسة الدولة – وتحديداً مؤسسة التربية – لكانت اليوم يُسْتَغنى عن وزارة التربية في حين أن الواقع يقول عكس ذلك.

إذاً أنا مع المؤسسة التربوية... لكن ربما ملاحظاتكِم على المنهاج، وهنا يجب أن تنتبهوا... يجب أن لا نصاب بالانفعالات، فالمنهاج التربوي قد يكون لنا ملاحظات عليه، وربما ملاحظات عديدة، وقد لا يناسب تطلعاتنا الفكرية والثقافية في كثير من العناوين، لكن دائماً عندما يوضع المنهاج التربوي يجب أن تتذّكروا أن هناك جامعة دول عربية، وأن هناك مؤسسة كانت جامعة للمنهاج التربوي، وهذا يعني أن المنهاج التربوي في الجمهورية العربية السورية ليس سقفه مؤسسة وزارة التربية فقط، بل هناك مرجعية أخرى وضوابط أخرى نحن محكومون بها، وخاصة في لحظة الاستقرار حين كنا جزءاً من جامعة الدول العربية، وبالتالي علينا أن نفرّق هنا بين المنهاج التربوي الذي هو لأبنائنا ومشروط بعمل مؤسساتي سقفه جامعة الدول العربية، وبين العمل الثقافي، أي بين الحالة التربوية والحالة الثقافية، وعلينا أن ننتبه ولا نبدأ باللطم، فاللطم بتاريخنا متعلق بأمور وجدانية، ولا يجوز أن نلطم لأي أمر يحصل، فمثلاً إذا أردنا الحديث عن تناول مناهجنا التربوية سابقاً للحركة الوهابية والتعريف عليها من وجهة نظر أصحابها بأنها حركة إصلاحية وتحررية، إذ كانت حينئذٍ علاقتنا مع السعودية جيدة، وقد كنا مستفيدين من علاقتنا تلك، عرّفنا عليها من رؤية السعودية، وذلك حتى تستوعبني السعودية وتعرّف هي أيضاً بالمقابل على حزب البعث العربي الاشتراكي من رؤيتنا نحن، ولا يقولون أن الدولة السورية قائمة على هذا الحزب وهو حزب ماركسي أو كافر، أو، أو... الخ... ففي منهاج آل سعود لا يوجد تحزّب، لكن لا يمكنهم أن يهاجموا تربوياً حزب البعث العربي الاشتراكي، لأننا حينها نعترض عليهم في جامعة الدول العربية عبر سفيرنا بالجامعة...

 

لكن بالمقابل وفي الحالة الثقافية، أدع أحد ما يكتب كتاباً يتحدث عن الحركة الوهابية، نشأتها، وأساسها، وطبيعتها، ولا أمانع في نشر هذا الكتاب، وهذا الكتاب يشكل حالة ثقافية وليست حالة تربوية، وبهذا المعنى يمكن لنا أن نلعب اللعبة – أي لعبة الدولة – بشكل صحيح، لكنّ نتيجة الظرف الذي نمرّ به ونتيجة حالة الاشتباك التي نمرّ بها، ليس بالضرورة أن أبقي على هذا المنهاج التربوي، لأن السقف والذي هو جامعة الدول العربية صار بمكان آخر، ورفع الغطاء عنّا، عندها يمكن أن نغيّر ونعدّل، لكن في المرتين يجب ألا نلعب بعقول الطلاب، مرّة حين نغضب ومرّةً حين نرضى، لذلك علينا أن نبقي هنا على مساحة ثقافية.

إذاً... هي لحظة تنتج ثقافتها، وعلينا أن نفرّق بين الحالة التربوية والحالة الثقافية...

 

 

    حكاية الدولار والأسعار صارت الشغل الشاغل للناس... بين ارتفع الدولار... طارت الأسعار, يهبط الدولار وتبقى حيثما حلّقت الأسعار, علماً أن المخازن مملوءة بالبضائع... فهل من آلية لكبح هذا الجنون, ومتى تنفذ؟...

 

حسب اعتقادي، أن الحكومة الحالية – حكومتنا الوطنية – في بعض أبوابها، في بعض مفاصلها أو مفاتيحها، لم تستطع أن تُجاري العدوان وتبعات العدوان، وبالتالي تشكو من فعل عَطالة، فعل العَطالة هذا هو فعل داخلي بالمؤسسة ذاتها، إذا قرأ أحد المسؤولين هذا الكلام الذي أقوله يدركون جيداً ماذا أقول، وبالتالي فإن العيب في بعض مؤسسات الدولة التي لم تستطع أن تتجاوز فعل العَطالة في داخلها في حين أننا بحاجةٍ إلى ذلك؛ ولكن إذا سألتني كيف يتم هذا التجاوز؟.. أقول لكِ: بعقلٍ وإرادة، وسأضرب لك مثالاً على ذلك، أنا أعرف أحد السادة الوزراء وهو أخٌ عزيز، دخل على إحدى الوزارات، وقام بعملية تكنيس كبيرة جداً، لكن لم يبقَ هاتف في سورية إلا وقصده، من أجل (س، ع، ص... الخ)، وكان يقسم لي بالله أنه موافق على سرقة بمعدل ما، لكنه غير موافق على نهب البلد، وأرجو هنا أن أُفهَم...

إذاً.. نحن في هذه الحكومة وفي بعض المفاصل بحاجة إلى عقل وإرادة، والعقل قبل الإرادة، لأنه يستطيع أن يوصِّف ما هو حاصل، ويستطيع إيجاد مدخلات، وربما تلتقين بالبعض الذي قد ينظِّر لك، أي أنه يمتلك عقلاً لكنه لا يمتلك إرادة، وأعتقد أن أساس فعل العَطالة في هذه المؤسسات قائم على هذه الثنائية...

فنحن بحاجةٍ ماسة اليوم إلى أن نمتلك عقلاً تنفيذياً يتجاوز المطبّات التي فرختّها وأنتجتها هذه الفوضى وهذا العدوان، ويجب أن يستبق هذا العقل ويستنتج ماذا ممكن أن يحصل بعد فترة ما... وهذا ما لا ألاحظه في الحكومة، إلا أن هناك بعض المفاصل في الحكومة تؤدي عملها.

وعلى سبيل المثال... فإن وزير الكهرباء ليس له علاقة بالعقل والإرادة، بل علاقته بمعطيات وأشياء أخرى، وأنا أفهمه، وإذا ذهبنا باتجاه وزارة التعليم العالي فالوزير له علاقة بإمكانيات الدولة وشيء من العقل والإرادة، لأن هناك أفكار كثيرة يطرحها مجلس الشعب لجهة وزارة التعليم العالي، ووزارة أخرى كالتربية مثلاً هناك تشابه إلى حدّ بعيد بينها وبين وزارة التعليم العالي، وفي وزارة الإعلام نحتاج إلى عقل وإرادة، لكن إن ذهبنا باتجاه وزارة الاقتصاد، فإننا نحتاج إلى شيء جديد، ونحتاج إلى عقل وإرادة أكثر، أما إن ذهبنا باتجاه وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك والتي نعوّل عليها كثيراً – والإشارة التي أشرت إليها منذ قليل كانت لوزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك – فهذه الوزارة كان فيها تراكمات هائلة، ولا أريد أن أتوقف عندها الآن...

إذاً نحن بحاجة إلى عقل وإرادة، هناك فعل عَطالة بالحكومة، كيف يحلّونه؟.. أقول لكِ: لا أعرف.. تسألين هل بتغيير الحكومة؟.. أقول لكِ: ليس بالضرورة...

 

 

    لفت نظري تصريح رئيس الوزراء السوري مؤخراً وهو يبرر سبب ارتفاع الدولار، حيث قال أن السبب يعود إلى هجرة 145 ألف شخص سوري خلال شهر وطلبهم للدولار، في حين لم ينتبه أو أنه غفل (مع احترامي لشخصه الكريم) عن أن كمية استهلاك الطحين قد انخفضت بالمخابز الحكومية، وأنه بات هناك وفر بكمية المازوت والغاز والسكر والمياه والكهرباء... –عدا عن دقة الرقم المذكور– أليس غريباً أن لا تعلن الحكومة أرقام الوفر بالقطع والنفقات نتيجة الهجرة خارج سورية؟...

لا أعلم على ماذا بنى رئيس الحكومة، ولا أعرف الاعتبارات التي انطلق منها أو المعايير الموجودة لديه مئة بالمئة حتى يحاكي ارتفاع أو انخفاض سعر صرف الدولار، أو حتى قال ما قال وفق الأسس التي حكى عنها، لكني أعرف أن أولويات الدولة تغيّرت، فمثلاً كتلة ما يسمى القطع الأجنبي الموجود لدينا، أنا كنت أعرف مردود الدولة منها شهرياً، وأين تُقَدّمها، ومثلما تتحدثين فهناك ما نستورده من الخارج بقطع أجنبي، وبالتالي فإن هناك كتلة معينة أدفعها شهرياً بالزائد أو بالناقص، وهذه أولويات بالنسبة لنا، وألوياتي مثلاً كانت بكيفية توفير الكهرباء والتعليم والأمن الداخلي، والآن كثيرون لا ينتبهوا أنه في ظل هذه المرحلة أولوياتنا قد تغيرت، فوقت السلم يختلف عن وقت الحرب تماماً، فاليوم لا نستطيع أن نقول لعسكري مثلاً لا تضرب رصاصاً لأنه ليس لدينا قطع أجنبي لنزودك بالطلقات، هو لا يدرك ذلك، هو يعرف أن جعبته مليئة وذخيرته كاملة، بالرغم أنه قد لا يكون معه رغيف خبز، أو الكهرباء عنده مقطوعة مثلاً، ولذلك أنا أرى بأن مثل هذه الحالات والتي لسنا وحدنا من مرّ بمثيلٍ لها، فالاتحاد السوفييتي بالحرب العالمية كان يوزع بالغرام طحيناً وبالتالي خبزاً للمواطن، ممكن أن يمرّ شهوراً طويلة لا نأكل فيها لحوماً أو بندورة مثلاً، لكن لا يمكن على الإطلاق أن نترك جيشنا بلا ذخيرة أو أسلحة يحارب بها، وبالتالي هناك سياسة نقدية جديدة وسياسة تعامل تتوافق مع الظروف الحالية، والأولوية الرئيسية هي ماذا يوجد لدينا ويجب أن يكون موجوداً من أجل العملية القتالية، وباقي ما تبقى لا أركز عليه، فمثلاً شكونا في لحظة معينة أنه لا يوجد وقو للدبابات فهذه مشكلة كبيرة، أما أن لا يتوفر وقود للسيارات فهذا ممكن تجاوزه، والسيد رئيس الحكومة كيف يقيسها هنا لا أعرف، لكن ما أعرفه أننا أقوياء لدرجة كبيرة على المستوى المادي، وحتى على مستوى القطع، والحلفاء لم يتركوننا، لأنه في معرفتهم الكاملة أننا نخوض معركة معاً وسويةً، وبالتالي عندما نقول حرباً عالمية فهي لا تعني فقط سورية وأطراف العالم تهاجم سورية، بل تعني أن هناك طرفين.

إذاً أستطيع القول جازماً أننا لو شكونا أنه لا يوجد قطع، لكانت انهارت الدولة، بل حقيقةً أن هناك قطع وكتلة نقدية مقبولة إلى حدّ بعيد، نحن نتكلم عن دولة تخوض حرباً، لم يتركوا لنا فيها لا نفطاً، ولا زراعة، دولة تحت وقع حصار اقتصادي، وحتى هذه اللحظة فإنها دولة غير مديونة... فما بالك إذاً؟!...

باعتقادي أنه في مكتب ما، وفي زاوية ما من جسد الدولة، هناك من يستهزئ ويردّ على أولئك الذين يرفعون الدولار، وعندما تنتهي المعركة نحن من يثبّت سعر الصرف في القيمة التي نريدها، لكن هذه القيمة تحاكي كل من كتلة النقد الوطني وكتلة نقد القطع الأجنبي المتوفر والموجود بين أيدينا...

 

    كلمـة أخيرة لشبكة سورية الحدث الإخبارية توجه من خلالها رسالة للشعب السوري...

 

منذ اللحظة الأولى أنا كنت مقتنعاً بأن البلد التي أنجبت أبطالاً بحجم وقامة إبراهيم هنانو، جول جمال، صالح العلي، سلطان باشا الأطرش، يوسف العظمة وحافظ الأسد، لا يمكن لها أن تنهزم، وأنا لست متفائلاً وحسب، بل أنا مؤمن تماماً بقامة وطنية ذات مهابة عالية اسمها بشار الأسد...

هذا الرجل... من يعرفه يدرك تماماً أنه لا يمكن أبداً أن يساوم على قضايا كبرى، وبالتالي كانت نصيحتي منذ الأيام الأولى أن السيد الرئيس بشار الأسد ذاهب إلى الانتصار، لن نقبل أن يكون سواه رأساً للمعركة، فهو القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة، وهو من أدار المعركة بحكمة وحنكة عالية، فتمسكوا به ليوصلكم إلى الانتصار... وهذه الأمة التي أنجبت هذا الشاب المتكئ على جذر عميق في التاريخ لا بدّ لها وأن تنتصر...



عدد المشاهدات: 4485

طباعة  طباعة من دون صور


  كاريكاتير

رزنامة نشاطات المجلس
للأعلى